على أحد محاور مراكش السريعة، يردّ حكيم بلعباس على اتصال وهو عائد من اختتام مهرجان مراكش الدولي للفيلم، هذه المرة كعضو لجنة تحكيم. عروض متتالية، سجادة حمراء، نقاشات مضغوطة، وبرنامج دقيق؛ لكنه يخرج خفيفًا ومتحمسًا، متأثرًا بلقاءات كثيرة بينها لقاء المخرج الكوري بونغ جون‑هو.
قبل أسابيع، شارك أيضًا في لجنة تحكيم مهرجان الفيلم الوطني بطنجة، ما جعله يعيد التفكير في أعمال جيل من السينمائيين المغاربة الذين التقاهم مؤخرًا: ينتظر الجرأة والخيارات الشخصية، حتى لو كانت المخاطرة عالية. يذكر مثلًا فيلم "Mauvais temps" لإل غزاوني مدان المتوّج في طنجة، إلى جانب "Everybody Loves Touda" لنبيل عيوش في جائزة لجنة التحكيم. بعد أيام سيعود إلى الرباط حيث يدير المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما (ISMAC) وفرعه الجديد في الداخلة، لكنه يتجه الآن إلى مكناس ويشارك رؤيته عن السينما في الطريق.
آخر أفلامه الطويلة صدر في 2022: "جدران منهارة" — ويسميه دائمًا بلسانه الدارج "لو كان يطيحو الحيطان" — عمل يجمع ثلاث هواجس رئيسية لديه: الصورة كنقطة انطلاق للكتابة، مدينة بجعد التي نشأ فيها حيث كان والده يدير السينما الوحيدة هناك، وفكرة المصير كشدّ داخلي دائم. الكتابة عنده تبدأ من العين والأذن؛ الصفحة البيضاء تُقلقه، والحوار ليس أولويته. ما يحدث في التصوير والمونتاج هو الجوهر: سيناريوهات مقتضبة قد لا تتجاوز بضع صفحات، أفكار تنبثق في الموقع، وفيلم يُركّب ثم يُعاد تركيبه أكثر من مرة بحثًا عن إيقاعه الحقيقي.
هذا ما قاده في مشروعه المقبل "Tomorrow… maybe". أنهى تصويره منذ أكثر من عام، وركّبه أولًا بشكل تقليدي، ثم اصطدم بفكرة خورخي لويس بورخيس عن الذاكرة بوصفها مرآة مكسورة إلى شظايا. وجد الكلمات التي كان ينقصه نطقها: الفيلم يحتاج أن يكون أقل خطية وأكثر تفككًا وتفتتًا كي يُشبه الذاكرة. لذلك عاد إلى نقطة الصفر في المونتاج مقتنعًا بأن العمل هو من يُعلن اكتماله، لا العكس.
بلعباس يراقب الحياة كمن يمارس مهنته طوال اليوم. يستيقظ عند الرابعة والنصف صباحًا ليقتنص لحظات تأمل هادئة، ويذكّر نفسه بأن ليس كل شيء مادة تصوير؛ أحيانًا يكون "السفنج" مجرد سفنج. كلما اقترب من مكناس، تعود ذاكرته إلى بجعد كطقسٍ لا يمكن تجاوزه كلما فكر في السينما: المكان هناك يكتب الديكور بنفسه، والحكايات لا تنتهي، والوظيفة الأولى للصورة عنده هي جعل غير المرئي مرئيًا. ليس مفاجئًا أن "Tomorrow… maybe" صُوِّر في بجعد.
تجربته الحديثة في المهرجانات أعادت فتح سؤال الإنتاج. لسنوات تمسّك بفلسفة "أعطوني أربعة ريال وأصنع فيلمًا": وقتٌ أطول للتصوير وأقل للتمويل، ابتعادٌ واعٍ عن إقامات الكتابة ومسارات التطوير الرسمية، وتفضيلٌ للاستقلالية على وعود التوزيع الدولي. يتحسّس من صنع فيلم عبر توافق لجنة، حيث تُفرَض "خانات" ومعايير قد تُغيّب الصوت الشخصي. لكنه يضيف طبقة من الشكّ البنّاء: ربما يمكن عبور تلك القنوات من دون أن نخسر الفيلم، شرط أن يحافظ صاحب المشروع على مسؤوليته الفنية ويدافع عن رؤيته. ولعل ولادة ابنته قبل ستة أشهر زادت هذا الميل إلى المغامرة؛ يشعر أنه تجدد واشتعل فضولُه من جديد.
الصورة الأخيرة التي يستدعيها وهو يقود نحو مكناس هي لوحة "الحصّادات" لجان‑فرانسوا مييّ، نساءٌ ينحنين يلتقطن ما تبقى من سنابل. يقول إنه يشبههن حين يصوّر: يصل بعد أن تمرّ آلات الحصاد، يلتقط البقايا بيديه، وإذا حالفه الحظ يحوّلها إلى كيمياء. وعلى الطريق، يظهر لوح يشير إلى اقتراب مكناس، فيما يثبت بلعباس نظره على ما لا يُرى بعد — وعلى ما يمكن للصورة أن تُظهره.
عبر موقع TelQuel - Sur la route avec Hakim Belabbès