الوثائقي رضا الطليلي: نعيش زمن الزائل بعد الثورة في تونس

أضيف بتاريخ 12/19/2025
Cinéma | سينِما

بعد خمسة عشر عامًا على لحظة محمد البوعزيزي وما تلاها من تحولات عميقة، يتأمل المخرج الوثائقي التونسي رضا الطليلي مسار البلاد بين وعود الحرية وضغط الواقع. في ظل تضييق متصاعد على حرية التعبير وتعب الشباب، يراهن الطليلي على الفن بوصفه مساحة تنفّس ومسار فعل، كما استحضر في حوار معJeune Afrique.



ولد الطليلي في سيدي بن عون التابعة لسيدي بوزيد، واشتغل على السينما التجريبية قبل أن تقلب الثورة بوصلته باتجاه الوثائقي. في فيلمه «لون الفوسفات» (2022) يتابع مسار عامل منجمي من رديف في الحوض المنجمي بقفصة، حيث تركت التلوّث وبنية الخدمات المتعثرة أثرًا عميقًا على الأجساد والفرص. لأعماله خيط ناظم: الإنصات إلى هامش البلاد، وإسناد الصوت لمن لا يجد طريقًا إلى المنابر.

لا يقدّم الطليلي الثورة كحكاية مكتفية بذاتها، بل كمنعطف أعاد سؤال الفضاء العام للمواطنين: من يملكه؟ وكيف يُستعاد؟ في الأيام الأولى من يناير 2011 اختار أن يعيش الشارع بدل توثيقه على عجل. لاحقًا، وقفته أمام جدارية كتب عليها «الثورة بعد خمس دقائق» حرّضته على تفكيك هشاشة اللحظة: حماس قد يُلتهم سريعًا، وسلطة تتحسّس طريقها، وشباب يجرّب طرق التعبير في مواجهة التسييس والركود. من هنا وُلد فيلم «الثورة ناقص خمس دقائق» الذي رافق مجموعة فنون شارع شابة وهي تعيد كتابة المعنى على جدران العاصمة.

العودة إلى الداخل لم تكن عنده استدعاءً لأصوله فحسب، بل مشروع ذاكرة. سنوات ما قبل 2011 تُركت غالبًا بلا أرشيف حيّ خارج بطاقات البريد الرسمية. جمع الطليلي موادًا صوتية وبصرية عن الفولكلور المحلي وعاداته الشفوية، ثم شارك بعد الثورة في تأسيس مهرجان ثقافي في الرقاب سنة 2012. هناك رأى بأم العين كيف تُشعل الثقافة شراكة الناس: بيوت تُفتح، وجبات تُطبخ، وأحياء تتكفّل بإيواء ضيوفها. عاش المهرجان دورتين فقط، لكنه أضاء قاعدة ثمينة: المبادرة الفنية قادرة على توليد معنى جماعي حتى عندما تذوي سريعًا.

هذا «الزائل» يطول. ليس لأن الحلم انطفأ تمامًا، بل لأن البلاد تُرى بين حلم وكابوس في آن. يفتّش الطليلي عن هشاشة الإنسان لا عن تضاريس المكان. يرافق أشخاصًا يصنعون بأقل الوسائل أثرًا، ويصونون حقهم في التخيل رغم قسوة العيش. حين يصوّر في المتلوي أو الرديف، فهو يواجه تاريخ تلوّث الفوسفات، وغياب بنى تعليمية وصحية منصفة، ومشوار إبداع يصبح أطول وأكلف لمن وُلدوا خارج الامتياز.

ومثلما تُقيم أفلامه مع الذين يحلمون رغم القيد، فهي تنظر أيضًا إلى موجات الرحيل. بالنسبة لكثير من شباب الجهات، يولّد الانسداد إحساسًا بالقدرية: تُعرّف الذات بموضع الولادة، ويُرى التغيير كحدث يقع في مكان آخر. عمل الطليلي عامين مع راقصي بريكدانس من سيدي بوزيد؛ سافروا وتألّقوا، ثم غادر أغلبهم بلا عودة. حجّتهم قاسية وبسيطة: هنا أبواب السجون أوسع من مسارحنا، والفرص الفنية لا تكبر معنا. ليست هذه جملة يائسين بقدر ما هي تشخيص لحقل ثقافي بلا حماية ومؤسسات راسخة.

مع ذلك، يصرّ على دور الفنان بوصفه فاعلًا مدنيًا: لا يخطب سياسيًا، بل يوفّر مسافة نقدية، يضيء المساحات المعتمة، ويخلق أدوات مقاومة ناعمة. نقص التمويل وغياب الاعتراف القانوني بمهنة الفنان وتذبذب الدخل ليست ذريعة للتراجع، بقدر ما هي سبب إضافي للعمل؛ إذ ماذا يتبقّى لمجتمع يخلو من صحفييه ومفكريه وفنانيه ومن يحفّزون النقاش العام؟

يبحث الطليلي عن انتقال من الاحتجاج إلى الفعل المؤسس. خمسة عشر عامًا من الهتاف لم تخلّف مؤسسات ثقافية محلية كافية، ولا سياسات عادلة تشدّ أطراف البلاد إلى مركزٍ أقل أنانية. الثورة أكلت أبناءها عنده ليس لأنهم خانوا، بل لأن بنية رعاية الأحلام لم تُبن بعد. لذلك يستعيد عبارة لزياد الرحباني: «توقفتُ عن التفكير في تغيير بلدي، لكنني لا أريد لبلدي أن يغيّرني»؛ جملة تختصر فلسفة المرحلة: صون الذات دون الاستقالة من الشأن العام.

في هذه السيرة التي تبدأ من سيدي بوزيد وتمتد إلى قفصة وتونس العاصمة، تتكرر مفردات بعينها: حرية التعبير كشرط، الثقافة كتنمية، السينما الوثائقية كأداة مساءلة، والشباب كاختبار يومي لفكرة المواطنة. ليست البطولة هنا فردية ولا آنية؛ إنها عمل شاق على تفاصيل الحياة، على إتاحة مساحات للتمرين والتجريب، وعلى بناء ذاكرة تجمع الناس بدل أن تفرّقهم. حين تتوفّر هذه اللبنات، يصبح «الزائل» أقل زوالًا، ويصير للبلاد متنفس يسمح لأبنائها بأن يحلموا داخلها لا بعيدًا عنها.

تونس التي يرسمها الطليلي ليست نشرة أخبار ولا بيانًا. إنها شبكة علاقات صغيرة: ورشة رقص في دار ثقافة، جدار يُكتب عليه بطلاء رخيص، كاميرا تصبر مع موضوعها، ومجتمع محلي يبتكر ضيافة رغم الفقر. في هذه التفاصيل تتبدّى إمكانات الاستمرار. وما بين سيدي بن عون والمتلوي والرديف، يتشكّل حقل دلالي واضح: شباب، ثقافة، وثائقي، حوض منجمي، سيدي بوزيد، قفصة، محمد البوعزيزي، حرية التعبير، تحوّل سياسي، ردة سلطوية. جميعها كلمات تُشير إلى مسرح واحد يحتاج لوقت أطول من «خمس دقائق» كي يرسّخ ثورته.

لا يَعِد الطليلي بخاتمة، ولا يقدّم وصفات. يُفضّل حركة الكاميرا على الضمانات، والإنصات على الشعارات. في زمن يثقل فيه الصدى على الصوت، يراهن على مشروع بسيط ومكلف: أن تظل الثقافة عملًا يوميًا مُتاحًا في الجهات، وأن يتاح للشباب أن يصوغوا هويتهم خارج القيد الجغرافي والاجتماعي. عند هذه العتبة، تتخفف البلاد قليلًا من شعور الزائل، وتستعيد ما يكفي من الأكسجين للمضي قدمًا.