يستثمر فيلم «غورو» قصة صعود المدرِّب الخيالي ماتيو فاسور ليكشف منطقة رمادية حقيقية يعيش فيها مجال الكوتشينغ في فرنسا، حيث تتجاور وعود النجاح السريع مع آليات تأثير نفسي قد تنزلق إلى أشكال من الهيمنة والشرنقة الذهنية. تبدأ الحكاية في قاعة مكتظة يحمل عنوان ندوتها «القوة في داخلك»، يكرّر فيها المدرب على مسامع جمهوره شعارًا بسيطًا لكنه حاد التأثير: «ما تريده هو ما أنت عليه». بتكرار الجملة يتحوّل الشعار إلى عقيدة شخصية، ويصبح الفشل، في منطق هذا الخطاب، خطيئة فردية لا نتيجة لظروف اجتماعية أو صحية أو مهنية معقدة.
الفيلم يعرض الميكانيزمات الكلاسيكية لخطاب التنمية الذاتية: الحديث عن «المعتقدات المحدودة»، الترويج لفكرة الإرادة الخارقة التي تتجاوز كل العوائق، وتغذية إحساس بالاستثنائية لدى الفرد يجعله أكثر قابلية لقطع الروابط مع محيطه العائلي والمهني. على الشاشة نرى مشاركين يقدِّمون استقالاتهم بلا بديل، يبيعون ممتلكاتهم، وينسحبون من علاقاتهم تحت تأثير وعود التحرر، قبل أن يجدوا أنفسهم في عزلة مالية ونفسية خانقة. هكذا يكشف «غورو» كيف يمكن لعبارات تحفيزية براقة أن تتحول، إذا استُخدمت بلا ضوابط، إلى أدوات تفريغ مؤلم لمسؤولية المجتمع والمؤسسات، وتحميل الفرد وحده ثمن كل تعثر.
وراء هذه القصة تطرح الصحافة الفرنسية سؤالًا جوهريًا: كيف يُنظَّم هذا القطاع المتنامي؟ فالكوتشينغ، على الرغم من اتساع سوقه وقيمته الاقتصادية الكبيرة، لا يزال بلا تعريف قانوني دقيق، ما يسمح نظريًا لأي شخص بأن يقدّم نفسه كـ«مدرب» من دون شهادة أو تكوين معترف به. المهنيون يردّون بأن المجال نجح في تنظيم نفسه ذاتيًا عبر اتحادات وشهادات خاصة ومدونات أخلاقية، لكن هذا التنظيم يظل اختياريًا، ولا يمنع وجود فاعلين على الهوامش يستغلون هشاشة الباحثين عن «حياة أفضل».
السلطات العمومية تتعامل مع المسألة بحذر مضاعف؛ فإقرار إطار قانوني صارم، كما تقول بعض الجهات الحكومية، يعني الاعتراف بالمهنة ومنحها شرعية قد لا ترغب الدولة في ترسيخها، خاصة وأن التجارب السابقة في تنظيم مهن قريبة أظهرت قدرة بعض الممارسين على الإفلات من الرقابة بمجرد تغيير العنوان المهني. لذلك اختير مسار غير مباشر يمر عبر بوابة التكوين: التدقيق في المدارس والمعاهد التي تمنح شهادات في الكوتشينغ، وحرمان تلك التي تعتمد على أساليب قسرية أو تلاعب ذهني من الاعتراف الرسمي أو التمويل العمومي، في محاولة لمنع المال العام من دعم أنشطة قد تحمل بذور انحرافات سلوكية أو شبه طائفية.
مع ذلك، تظل المؤشرات الميدانية مقلقة؛ فالأجهزة المكلفة بحماية المستهلك ورصد الانحرافات الشعوذية تسجّل ارتفاعًا ملحوظًا في عدد الشكاوى المرتبطة بالكوتشينغ و«الرفاه» الروحي والجسدي، من وعود علاجية غير موثوقة إلى استعمال ألقاب ومهارات لا سند علمي لها. تضاف إلى ذلك طفرة المنصات الرقمية التي سمحت لمدرِّبين ومؤثرين بالوصول إلى جمهور واسع عبر عروض مغرية: كوتشينغ في الإغواء العاطفي، خسارة وزن سريعة، ثراء مفاجئ بفضل العملات المشفرة، أو «تنظيف» الجسد والعقل بأنظمة صيام متشددة. هنا، يتراجع أي شكل من أشكال التنظيم أو التحقق، ويكفي حساب على إنستغرام أو تيك توك حتى يتحول صاحبه إلى مرجع في عيون متابعين يبحثون عن أمل أو خلاص شخصي.
وسط هذا المشهد، تدعو الهيئات المختصة إلى يقظة فردية صارمة: التحقق من تكوين المدرب الحقيقي، الحذر من خطابات تمجّد «الاستثنائية» وتدفع العميل إلى قطع صلاته بأسرته أو عمله، الشك في كل من يرفع أسعار جلساته تدريجيًا أو يطالب باستثمار مالي وزمني مفتوح بحجة «التحوّل العميق». فهذه كلها مؤشرات إلى انتقال العلاقة من مرافقة مهنية إلى علاقة تبعية غير صحية. لكن السؤال الأعمق الذي يطرحه التحقيق، والذي ينعكس صدى له في «غورو»، يتجاوز حدود المهنة نفسها: ما الذي يدفع مجتمعات حديثة، تملك أنظمة صحية وتعليمية وقانونية متقدمة، إلى اختزال بحثها عن المعنى والطمأنينة في شخصيات كاريزمية تعد بالسعادة الفردية؟ في هذا الفراغ بين هشاشة الأفراد وعجز المؤسسات عن مواكبة حاجاتهم الجديدة، يتغذى خطاب الكوتشينغ غير المنظم، ويجد الفيلم في تتبع مساره مادة درامية تكشف هشاشة زمن يتعلق بوهم «القوة في الداخل» بينما يواجه، في العمق، هشاشة جماعية لم تُعالَج بعد.