توفي المخرج والسيناريست المصري داوود عبد السيد، أحد أبرز صُنّاع سينما المؤلف في العالم العربي، عن عمر يناهز 79 عاما بعد معاناة مع المرض، ليغيب برحيله صوت سينمائي ارتبط اسمه بالتأمل الفلسفي في واقع الإنسان المصري وتحولاته الاجتماعية منذ ثمانينيات القرن الماضي. ووفق ما نقلته وسائل إعلام مصرية وعربية، فارق عبد السيد الحياة في منزله بالقاهرة بعد صراع مع مشاكل صحية مزمنة في الكلى، بينما ينتظر أن تشيع جنازته في العاصمة المصرية بحضور عائلته وعدد من المخرجين والفنانين وتلامذته من الأجيال الجديدة. وأكدت مصادر مقربة من أسرته أن حالته الصحية تدهورت خلال الأشهر الأخيرة، حيث خضع لجلسات غسيل كلوي ومتابعة طبية متواصلة قبل أن يعلن عن وفاته مساء الجمعة 26 ديسمبر 2025، في خبر لاقى تفاعلا واسعا على منصات التواصل الاجتماعي وبين النقاد والعاملين في الحقل السينمائي.
وُلد داوود عبد السيد في القاهرة يوم 23 نوفمبر 1946، ودرس في المعهد العالي للسينما قبل أن يبدأ مساره العملي مساعدا لعدد من المخرجين البارزين، من بينهم يوسف شاهين الذي عمل معه في فيلم “الأرض”، ما أتاح له الاحتكاك المبكر بالتجارب السينمائية الأكثر طموحا في مصر آنذاك. هذا المسار جعله يختار طريقا خاصا به يقوم على المزج بين الحس الواقعي والبعد الرمزي، مع اهتمام بارز بالإنسان المهمش والعلاقات المعقدة بين السلطة والفرد والمجتمع. ومع مرور السنوات، رسّخ عبد السيد صورة المخرج الذي يتحرك خارج موجة الإنتاج التجاري السائد، مفضلا مشاريع أقل من حيث العدد لكنها أكثر كثافة من حيث الرؤية والأسئلة التي تطرحها.
في رصيده عدد محدود نسبيا من الأفلام، لكنه ترك أثرا أعمق من عشرات الأعمال الأخرى التي تنتمي إلى السينما التجارية الخالصة، حيث يشير النقاد إلى أن كل عمل من أعماله يمكن قراءته كبيان فكري وفني حول الخوف والحرية والبحث عن المعنى. من بين أبرز هذه الأعمال فيلم “الصعاليك” الصادر عام 1985، الذي قدّم فيه شخصية البطل الممزق بين الطموح الفردي والواقع الاجتماعي، وفيلم “البحث عن سيد مرزوق” (1991) الذي قرأه كثيرون كحكاية رمزية عن السلطة والقدَر والعجز عن الفكاك من دوائر القمع. أما فيلم “الكيت كات” (1991) المقتبس عن رواية “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان، فقد تحول مع مرور الوقت إلى واحد من أكثر الأفلام حضورا في الذاكرة الجماعية للمشاهدين العرب، بفضل مزجه البديع بين السخرية والمرارة وتجسيده لحالة الحلم المستحيل في حي شعبي مهمّش. كما برز فيلم “أرض الخوف” (1999) كأحد أهم أفلام التسعينيات، من خلال قصة ضابط الشرطة الذي يتورط في عالم المخدرات في مهمة سرية تمتد لسنوات، فيتحول السؤال الأمني إلى سؤال وجودي حول الهوية واليقين والولاء.
واصل عبد السيد بناء عالمه السينمائي في الألفية الجديدة من خلال أعمال مثل “مواطن ومخبر وحرامي” (2001)، حيث دمج الكوميديا السوداء بنقد اجتماعي لاذع لصورة “المواطن العادي” في مواجهة تحولات الدولة والمجتمع. وفي فيلم “أرض الأحلام” و”أرض الأحلام” و”أرض الأحلام” – إلى جانب “رسائل البحر” (2010) – عاد إلى الاشتغال على ثنائية الحلم والواقع، لكن عبر فضاءات بصرية أكثر شاعرية، مستفيدا من مواقع تصوير في الإسكندرية ومن بنية درامية تضع البطل أمام خيارات أخلاقية وجمالية في عالم يضيق على الحالمين. وقد اختير “رسائل البحر” لتمثيل مصر في سباق جائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي، في اعتراف دولي متأخر نسبيا بقيمة مشروعه السينمائي.
يحمل النقاد لعبد السيد وصف “فيلسوف السينما المصرية”، وهي تسمية ارتبطت بقدرته على طرح أسئلة وجودية من خلال حكايات تبدو بسيطة في ظاهرها لكنها مشحونة بدلالات سياسية واجتماعية. ففي كثير من أفلامه، لا تُقال الفكرة بشكل مباشر، بل تتجسد عبر مواقف يومية وصراعات داخلية يعيشها أبطال غالبا ما ينتمون إلى الطبقة الوسطى والدنيا، ويجدون أنفسهم في مواجهة أنظمة بيروقراطية أو سلطات رمزية تسلبهم القدرة على الفعل. هذا الأسلوب جعله أقرب إلى ما يُعرف في النقد الغربي بسينما المؤلف، حيث تتكرر الثيمات والأسئلة والأساليب البصرية نفسها بشكل يمنح المخرج هوية فنية واضحة، حتى لو تغيّر طاقم الممثلين أو السياق الزمني.
على مستوى الاستقبال الجماهيري، لم يكن عبد السيد من المخرجين الذين تحقق أفلامهم إيرادات ضخمة في شباك التذاكر، لكنه حظي بتقدير خاص في أوساط cinephiles والباحثين في السينما، كما حصدت أعماله جوائز في مهرجانات عربية ودولية، من بينها مهرجان القاهرة السينمائي الدولي ومهرجانات في أوروبا والعالم العربي. هذا التباين بين النجاح الجماهيري المحدود والاعتراف النقدي الواسع، رسّخ صورته كمخرج “نخبوي” نسبيا، رغم أن شخصياته وحواراته كانت تنحدر من عمق الواقع الشعبي المصري، ما فتح نقاشا متكررا حول علاقة سينما المؤلف بالجمهور الأوسع.
قبل سنوات من رحيله، أعلن داوود عبد السيد اعتزال الإخراج، مبررا القرار بتغير طبيعة السوق السينمائية في مصر وعدم قدرته على العمل في مناخ إنتاجي لا يمنح مساحة كافية للمشاريع التي تحتاج إلى زمن أطول في التحضير والتنفيذ. هذا الإعلان قرأه كثيرون كتعبير عن إحباط من مناخ عام يزداد فيه حضور الإنتاج السريع المرتبط بالمواسم التجارية على حساب المشاريع الفنية التي تراهن على المدى البعيد. ومع ذلك، بقي حضوره مستمرا في الندوات والحوارات التلفزيونية وفي كتابات النقاد الذين واصلوا الرجوع إلى أفلامه كمرجع لقراءة تحولات المجتمع المصري خلال العقود الأخيرة.
أثار خبر وفاته موجة من النعي على منصات التواصل الاجتماعي، حيث عبّر نجوم سينما ومخرجون شباب عن حزنهم لفقدان أحد أعمدة السينما المصرية، مؤكدين أن عبد السيد مثّل بالنسبة إليهم “مدرسة” في التفكير في الصورة والسرد وطبيعة العلاقة بين السينما والواقع. وركزت العديد من بيانات النعي على تواضعه الشخصي وابتعاده عن الأضواء، مقابل حرصه على النقاش الجاد حول قضايا الفن والحرية والمسؤولية الأخلاقية للمبدع، سواء في لقاءاته الصحفية أو داخل كواليس المهرجانات. كما استعاد كثير من المتابعين مشاهد من “الكيت كات” و”أرض الخوف” و”مواطن ومخبر وحرامي”، تم تدويرها على نطاق واسع كنوع من التحية المتأخرة لمخرج كان يسمح لأبطاله بالهامش الكافي كي ينطقوا بما يعجز الواقع أحيانا عن التصريح به.
برحيل داوود عبد السيد، تخسر السينما العربية واحدا من أبرز أصواتها التي راهنت على العمق بدلا من الاستسهال، وعلى الأسئلة المفتوحة بدلا من الإجابات الجاهزة. ويبدو أن الإرث الذي تركه من خلال أفلامه القليلة نسبيا سيظل مفتوحا لقراءات جديدة من قبل الباحثين والصحفيين وطلاب السينما، خاصة أن هذه الأعمال تسجل، بطريقتها الخاصة، تاريخا موازيا للتحولات السياسية والاجتماعية في مصر خلال ما يقرب من نصف قرن. وفي انتظار تكريمات رسمية وأكاديمية متوقعة، تبقى الطريقة الأصدق للاحتفاء بذكراه هي العودة إلى أفلامه ومشاهدتها في ضوء الأسئلة التي تطرحها اليوم عن الخوف والحرية والعدالة والكرامة الإنسانية، وهي الأسئلة نفسها التي جعلت من داوود عبد السيد واحدا من أكثر المخرجين تأثيرا في الوعي السينمائي العربي المعاصر.


