يقدّم فيلم «Naked» (1993) للمخرج البريطاني مايك لي صورةً قاسية لمدينة لندن في أوائل التسعينيات، من خلال شخصية جوني، الشاب العاطل عن العمل الذي يفرّ من مانشستر إلى العاصمة بعد اعتداء جنسي. بعد ذلك، ليقضي لياليه هائمًا في الشوارع وبيوت الآخرين. جوني ساخر، لاذع الذكاء، يحمل ثقافة فلسفية ولاهوتية واسعة، لكنه في الوقت ذاته عدميّ، أناني، يمارس عنفًا لفظيًا وجسديًا على كل من يلتقيهم. فيتحوّل كل حوار إلى ساحة تفريغ لليأس والغضب أكثر مما هو بحث حقيقي عن معنى.
البنية السردية للفيلم على سلسلة لقاءات ليلية: مع حبيبته السابقة لويز، وزميلتها الهشّة صوفي، مع حارس مبنى وحيد، ونادلة قلقة، ومارّين مجهولين يجرّهم جوني إلى جدالات حول الله، ونهاية العالم، والوقت، والطبقة واللاجدوى. يقف جيريمي، المالك الثري السادي الذي يجسّد سلطة بلا ضمير، في مقابل هذا «النبي الفاشل»؛ فبينما يستخدم جوني اللغة كسلاح، يعتمد جيريمي على المال والعنف الجسدي، ما يجعل الفيلم مواجهةً بين شكلين من القسوة يمرّ كلاهما بلا عقاب حقيقي.
أسلوب مايك لي يمزج بين الواقعية الاجتماعية البريطانية وحوارات طويلة شبه مرتجلة. ليكشف عن لندن بعيدًا عن الصور السياحية اللامعة، مدينة تشبه متاهة من الأزقّة، المساكن المتداعية، والمكاتب الفارغة الليلية. الكاميرا تلتصق بجسد جوني المنهك وهو يترنّح من مكان إلى آخر، لتجسّد جسدًا ينزف ومعنى يتفكّك. بينما يترك الإخراج مسافة حرجة مع الشخصية: لا يبرّرها ولا يدينها أخلاقيًا بشكل مباشر، بل يدفع المتفرّج إلى مواجهة التناقض في التعاطف مع شخص بليغ ومثير للاهتمام لكنه مؤذٍ ومسيء.
نهاية الفيلم تزيد من قتامة رؤيته؛ بعد سلسلة من الاعتداءات والضرب، يعود جوني إلى شقة لويز مكسورًا جسديًا، ليلتقي نساءً قررن وضع حدّ لفوضاه، قبل أن يغادر عند الفجر يعرج في شارع خالٍ، بلا خلاص ولا عقاب واضح، فقط استمرار عبثي. هذا الختام المفتوح، كما تلاحظ مقالات ندية في «Criterion» و«London Grip»، يرسّخ فكرة أن العالم الذي يرسمه لي لا يكافئ الفضيلة ولا يعاقب الشرّ بطريقة منتظمة؛ إنّه عالم عزلة، عنف، وتشوّش أخلاقي، يُترَك فيه جوني وجيريمي معًا يواصلان السير على الهامش.
رغم الجدل الذي أثارته الاتهامات بالتمييز ضد النساء بسبب كثافة العنف الجنسي واللفظي، أصبح «Naked» يُصنَّف اليوم ضمن أهم أفلام التسعينيات البريطانية. ذلك بفضل أداء ديفيد ثيوليس الاستثنائي، وحِدّة نظرته إلى الهوية الذكورية المأزومة، والمدينة النيوليبرالية التي تلتهم سكانها الهشّين. إنّه فيلم مظلم لا يقدّم عزاءً لمشاهده، لكنه يخلّف أثرًا عميقًا لدى من يقبل خوض هذه الرحلة الليلية التي تجرّد الإنسان من أقنعته وتتركه، كما يوحي العنوان، «عارياً» أمام فراغه الداخلي وانهيار المعنى من حوله.


