توفي المخرج والكاتب المسرحي والسيناريست الإيراني بهرام بيضائي عام 2025 عن عمر ناهز 87 عاما، ليغادر المشهد الثقافي أحد أكثر الأسماء تأثيرا في تاريخ السينما والمسرح الإيرانيين منذ ستينيات القرن الماضي. عُرف بيضائي بانشغاله الدائم بالهوية الإيرانية، وبقراءته الخاصة للأساطير والتراث الفارسي، وبناء أعمال بصرية تقوم على لغة رمزية كثيفة تضعه في مصاف أبرز صُنّاع “سينما المؤلف” في المنطقة. وقد أعاد خبر وفاته تسليط الضوء على مسار طويل تداخلت فيه السينما بالمسرح والبحث الأكاديمي في تاريخ الصورة والحكاية الإيرانية.
وُلد بهرام بيضائي عام 1938 في طهران داخل عائلة مهتمة بالثقافة واللغة الفارسية، وبدأ مبكرا في دراسة الأدب والمسرح قبل أن يتجه إلى البحث في الفولكلور والأساطير التي ستصبح لاحقا مرجعية أساسية في كتاباته وأفلامه. اشتغل في شبابه على كتابة المسرحيات وإخراجها، وارتبط اسمه بالحركة المسرحية الطليعية في إيران ما قبل الثورة، حيث حاول تجديد لغة الخشبة عبر دمج التراث الشعبي بالبناءات الدرامية الحديثة. هذا التأسيس المسرحي العميق انعكس لاحقا على سينماه، سواء في إدارة الممثلين أو في بناء المشاهد التي تحمل غالبا طابعا شبه مسرحي من حيث التكوين والحوار.
دخل بيضائي إلى عالم السينما في نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، في الفترة التي بدأ فيها ما يُعرف بـ“الموجة الجديدة” في السينما الإيرانية، إلى جانب أسماء أخرى حاولت الخروج من القوالب التجارية السائدة آنذاك. من أبرز أفلامه التي رسّخت مكانته “سفرة القلوب” و“مسافران” و“مرگ يزدگرد” (موت يزدجرد)، حيث لجأ إلى التاريخ والأسطورة ليطرح أسئلة حول السلطة والعنف والعدالة من زاوية معاصرة. تميزت أفلامه باستخدام مكثف للرمز، واعتماد إيقاع بصري وتأملي يجعل المتفرج في مواجهة مباشرة مع الأسئلة الأخلاقية والفلسفية المطروحة، بعيدا عن المباشرة أو الخطاب الدعائي.
لم يقتصر حضور بيضائي على الإخراج، بل كان أيضا باحثا ومنظّرا في مجال المسرح والسينما، ودرّس لسنوات في الجامعات ومعاهد الفنون في إيران وخارجها. أسهمت محاضراته وكتاباته في تكوين أجيال جديدة من السينمائيين والمسرحيين الذين رأوا في تجربته نموذجا للفنان الذي يوظف التراث من دون أن يسقط في الفلكلور، ويستثمر الحداثة من دون أن يقطع مع جذوره الثقافية. لذلك يُنظر إليه كجسر بين تقاليد السرد الفارسي القديمة وأشكال التعبير البصرية المعاصرة.
مع تغير المناخ السياسي والثقافي في إيران بعد الثورة، واجه بيضائي فترات من التضييق والمنع، ما جعل بعض مشاريعه السينمائية تتعثر أو تبقى حبيسة الأدراج، بينما لجأ أحيانا إلى المنفى المؤقت ومواصلة نشاطه في فضاءات أكاديمية وفنية خارج بلاده. رغم ذلك، ظل اسمه حاضرا في النقاشات النقدية، واستمرت أعماله، سواء المسرحية أو السينمائية، في العرض والدراسة ضمن المهرجانات والجامعات، لتتحول إلى مرجع لفهم تطور التعبير الفني في إيران المعاصرة. هذه المسافة بينه وبين المؤسسات الرسمية من جهة، وبين الاحتفاء النقدي به من جهة أخرى، أسهمت في ترسيخ صورته كمبدع مستقلّ يدفع ثمن خياراته الجمالية والفكرية.
أثار خبر وفاته تفاعلا واسعا في الأوساط الثقافية الإيرانية والدولية، حيث نعت مؤسسات فنية وجامعية المخرج الراحل، مشيرة إلى أن أعماله شكّلت رافدا أساسيا في تكوين صورة جديدة للسينما الإيرانية في أعين الجمهور والنقاد حول العالم. كما أعاد كثير من السينمائيين الشباب نشر مقاطع من أفلامه ومقاطع من حواراته القديمة، مؤكدين أن تأثيره امتد إلى ما هو أبعد من حدود بلده، ليشمل كل من يبحث عن لغة سينمائية تتجاوز الحدود الأيديولوجية والتجارية.
رحيل بهرام بيضائي عام 2025 يضع نقطة فاصلة في تاريخ السينما والمسرح الإيرانيين، لكنه يترك في المقابل إرثا متنوعا من الأفلام والنصوص المسرحية والدراسات التي ستظل موضوع قراءة وإعادة تأويل لسنوات طويلة قادمة. وبينما تستعيد الأوساط الأكاديمية والنقدية أعماله بمناسبة رحيله، يبدو أن الطريقة الأكثر دقة لتقدير قيمته تكمن في العودة إلى أفلامه ومسرحياته بوصفها مختبرا لفهم علاقة الصورة بالأسطورة، والذاكرة بالتاريخ، والفن بالسلطة في إيران الحديثة


