سينمائيّ أمريكي شابّ كان يستعدّ عام 1968 لإصدار فيلمه الوثائقي الثاني عن مدرسة ثانويّة في فيلادلفيا، فيما ظلّ صدى الهزّة التي أحدثها عمله الأوّل يطارده في الكواليس. في السنة السابقة، قدّم فريدريك وايزمان فيلمه «تيتيكات فولييز» عن الحياة اليوميّة لنزلاء مستشفى للأمراض النفسيّة مخصّص للمحكومين الجنائيّين في بريدجووتر بولاية ماساتشوستس، بعد أن صوّر هناك بموافقة الإدارة والمرضى أو من يمثّلهم قانونيًا، قبل أن يكتشف أنّ الوثيقة البصريّة التي صنعها ستتحوّل إلى قضيّة قانونيّة وسياسيّة طويلة الأمد. اعتمد العمل على أسلوب «السينما المباشرة»، بلا تعليق صوتي يوجّه التلقّي ولا مقابلات كلاسيكيّة مع المتحدّثين ولا شروح سياقيّة، تاركًا للمشاهد مهمّة تركيب المعنى من تتابع المشاهد واختيارات المونتاج التي رسمت خطًّا سرديًّا خفيًّا أكثر ممّا أعلنت حكاية جاهزة.
قبل عرضه في مهرجان نيويورك السينمائي عام 1967، حاولت سلطات ماساتشوستس منع الفيلم بحجّة انتهاك الخصوصيّة وكرامة المرضى، بينما رأى المخرج، وهو خرّيج قانون سابق، أنّ السبب سياسي بالدرجة الأولى، لأنّ الفيلم كشف من الداخل واقع المعاملة القاسية والظروف المهينة داخل المؤسسة العقابيّة ــ العلاجيّة، في لحظة كان فيها الرأي العام بعيدًا عن هذه العوالم المغلقة. استمرّ الصراع القضائي سنوات، ووصل الملف إلى القضاء الأعلى في الولاية، قبل أن يُرفع الحظر نهائيًا في بداية التسعينيات، ليُسجَّل العمل كأحد أبرز الأمثلة على الرقابة التي لا تتعلّق لا بالإباحيّة ولا بالأمن القومي بل بحدود حرّيّة التعبير في تناول المؤسّسات العامّة. وبمرور الوقت، صار «تيتيكات فولييز» يُنظر إليه بوصفه نقطة تحوّل في تاريخ الفيلم الوثائقي كما في تاريخ الاجتهاد القضائي الأمريكي المتعلّق بحرّيّة التعبير والحقّ في الاطّلاع على ما يجري خلف جدران المؤسّسات المغلقة.
هذا الفيلم بالأبيض والأسود، الذي لا يتجاوز طوله ساعة وأربعًا وثمانين دقيقة، بدا لأول وهلة مجرّد تمرين جريء لمخرج في بداياته، لكنّه تحوّل لاحقًا إلى حجر زاوية في مسيرة سينمائيّة ستشمل عشرات الأفلام عن المدارس والمكتبات والمستشفيات ومراكز الشرطة والمحاكم، وكلّها تشتغل على تخوم العلاقة الملتبسة بين الفرد والمؤسّسة. ما جعل «تيتيكات فولييز» عملاً مقلقًا ومزعجًا للسلطات أنّه لم يركّز على حادثة بعينها أو فضيحة محدّدة، ولم يقدّم شخصيّات «بطوليّة» أو «شرّيرة» واضحة المعالم، بل فتح للمشاهد باب التوغّل في نظام مؤسّسي كامل، يتّخذ من المرضى ــ السجناء مادةً خامًا لممارساته اليوميّة. من خلال هذا الاقتحام البصري، بدا وكأنّ الفيلم يقدّم أطروحة مبكّرة سيعود إليها المخرج في أعماله اللاحقة: لا يمكن فصل الإنسان عن المؤسّسة التي تحيط به، تنظّم وقته، تضبط حركته، وتشكّل إلى حدّ بعيد ردود أفعاله وحتى لغته الجسديّة.
حين انتقل وايزمان بعد عام واحد إلى أروقة مدرسة ثانويّة في فيلادلفيا، لم يكن من المفترض أن يعيد الأسلوب نفسه أو النبرة ذاتها، لكنّ «هاي سكول» كشف أنّ المنهج الإخراجي الذي اختاره يصلح لقراءة فضاءات متباينة ظاهريًا. الكاميرا جابت الفصول والقاعات الإداريّة والاجتماعات مع الأولياء وحفلات المدرسة، مسجّلة تفاصيل ما يُفترض أنّه روتين تربوي عادي في ثانويّة أمريكيّة بمنتصف الستينات. غير أنّ تجميع هذه اللحظات كشف عن بنية صارمة تشبه النظام العسكري، حيث تتكرّس علاقات السلطة بين إدارة المَدرسة والهيئة التعليميّة من جهة، والطلّاب من جهة أخرى، بما في ذلك إعداد بعضهم ذهنيًا بدنياً ليصبحوا جنودًا في حرب فيتنام المشتعلة آنذاك، كما توحي بذلك المشاهد الختاميّة للفيلم
يمكن للقارئ أن يتصوّر من خلال هذين العملين أنّ صاحبَهما كان يقصد صناعة وثائقيات ذات رسالة سياسيّة مباشرة، لكنّ مسار المخرج يشير إلى أسلوب أقلّ خطابيّة وأكثر اعتمادًا على الملاحظة البطيئة. كان يدخل إلى مكان ما ومعه فريق صغير وكاميرا خفيفة، يقضي أسابيع وهو يتنقّل بين الممرّات وغرف الاجتماعات، ثم يعود بما يشبه يوميّات بصريّة كثيفة تشكّل مادّة المونتاج النهائي. وقد عبّر أكثر من مرّة عن رفضه لفكرة الفيلم الذي يثبت أطروحة جاهزة؛ إذ رأى أنّ النتيجة النهائيّة ليست تحقيقًا لفرضية مسبقة بقدر ما هي خلاصة لما يتعلّمه هو نفسه وهو يصوّر ويشاهد ما التقطته الكاميرا لاحقًا في غرفة المونتاج.
لفهم مشروعه بعمق، تُستعاد سلسلة أفلامه من «تيتيكات فولييز» عام 1967 إلى «مينو بلازير ــ ليه تروا غرو» عن مطاعم عائلة فرنسيّة شهيرة في العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. كان الميل الواضح في هذه المسيرة يتّجه نحو رصد البشر عندما يجتمعون من أجل عمل ما: تناول وجبة، حضور مباراة، أداء صلاة، المشاركة في اجتماع إداري أو سياسي أو ثقافي. في هذه اللحظات يبدو الأفراد جزءًا من شبكة قرارات وإجراءات وأعراف غير مكتوبة، تتجلّى في الاجتماعات المتواصلة التي تملأ أفلامه: جلسات إداريّة، هيئات تأديبيّة، لقاءات أطبّاء، مجالس بلديّة، لجان مكتبات، ونوادي محلّية تتجادل لساعات حول تفاصيل تبدو تافهة ظاهريًا كاقتراح إضافة مقعد في ساحة بلدة صغيرة.
شيئًا فشيئًا، بدت هذه الاجتماعات وكأنّها الوحدة الأساسيّة للحياة المعاصرة في المجتمعات الغربيّة التي يصوّرها، حيث تُدار العلاقات بين الدولة والمواطن، وبين المؤسّسات وروّادها، عبر تسلسل لا ينتهي من النقاشات والتقارير والتصويتات. من يشاهد هذه المشاهد المتكرّرة يلمح قدراً من السخرية أحيانًا في طول النقاش حول قرارات بسيطة، لكنّها سخرية لا تلغي التعاطف مع المشاركين الذين يحاولون، بإمكانات محدودة ووقت ضيّق، أن يجعلوا المؤسّسات تعمل. ورغم غياب الراوي المعلّق، يشعر المتفرّج أنّ هناك عينًا خفيّة تدير مسار الحكي، تختار أيّ اجتماع يُرى وأيّ حوار يُترَك جانبًا، لتصوغ وجهة نظر تتشكّل في غرفة المونتاج أكثر ممّا تُعلن في صوت خارجي.
أفلام لاحقة مثل «ويلفير» في منتصف السبعينات، المصوَّر داخل مركز خدمات اجتماعيّة في مانهاتن، عمّقت هذا التوجّه عبر التركيز على علاقة الموظّفين بالمتقدّمين لطلب المساعدة، بين التعاطف الشخصي وضغط اللوائح وقصور الموارد. بدا أنّ العاملين، رغم إرهاقهم ونقص الإمكانات، يحاولون الحفاظ على نوع من الجيرة الإنسانية مع من يقفون في طوابير الانتظار، في مواجهة نظام بيروقراطي ضاغط. وفي «إكس ليبريس: مكتبة نيويورك العامّة»، بدا الفيلم أقرب إلى دفاع هادئ لكن عنيد عن المكتبة العامّة باعتبارها مؤسسة ديمقراطيّة أساسيّة توفر فضاءً مجّانيًا للمعرفة واللقاء، في مقابل توجّهات تقليص التمويل العام وخصخصة الخدمات الثقافيّة. أمّا «برايميت»، الذي يدور في عالم الأبحاث على القردة، فقد حمل في طيّاته تحذيرًا مبطّنًا من منزلقات الدولة الأمنيّة حين تمتدّ يدها إلى أدقّ تفاصيل الجسد والحياة باسم العلم أو النظام.
تُطرح أحيانًا أسئلة ساخرة حول طول أفلام وايزمان، إذ يمتدّ بعضها إلى ساعات عديدة كما في العمل المصوَّر في وحدة العناية المركّزة في بوسطن في أواخر الثمانينات، بينما لا تتجاوز أخرى ساعة وربعًا كما في «هاي سكول». لكنّ الانطباع المتكرّر لدى من يدخلون عالمه السينمائي أنّ الإحساس بالوقت يتراجع أمام كثافة التجربة البصريّة. فكلّ شخصيّة عابرة تقريبًا تحمل قصّة محتملة، وكلّ حوار، مهما بدا عاديًا أو مكرّرًا، يضيء زاوية من علاقة الناس بالمؤسّسات التي يعيشون في ظلّها، بين الطرافة والألم واللامبالاة والكرامة. في هذا الامتداد الزمني تتكوّن «فريسكوات» إنسانيّة تجعل من اليوميّ مادّة للدراما، بلا حاجة إلى حبكة تقليديّة أو أبطال واضحين.
المخرج نفسه لخّص هذه الفلسفة عندما كتب أنّ التجربة العاديّة في الحياة اليوميّة تحتوي ما يكفي من الدراما والتراجيديا والكوميديا لمن يريد أن يصنع منها فيلمًا، بشرط أن يكون حاضرًا في اللحظة المناسبة. الحضور، في هذه الحالة، ليس مجرّد وجود جسدي للمصوّر في المكان، بل استعداد لأن يصبر على اللحظات الساكنة والتفاصيل الصغيرة التي يراها كثيرون غير مهمّة. هكذا يظهر على الشاشة في كثير من أعماله أناس يعيشون أيّامًا لن يتذكّروها غالبًا، لكنّ الكاميرا تجعل منها مشاهد تبقى في ذاكرة من يشاهدها، فتتحوّل الحياة العاديّة إلى وثيقة عن زمن ومكان وعلاقات قوى وأنماط كلام وإيماءات جسديّة.
ورغم أنّ كلّ شخص يظهر في أفلامه يحتلّ مكانه الخاصّ في الصورة، فإنّه لا يبقى أبدًا معزولًا عن الشبكة الأكبر التي تحيط به: قوانين، لوائح، جدران مؤسّسات، طاولات اجتماعات، أزياء مهنيّة، بطاقات أسماء، مكاتب انتظار، نوافذ يدلف منها الضوء إلى عالم مغلق. الأفعال الفرديّة، من حركة قلم إلى نبرة صوت في مكالمة رسميّة، تُفهم ضمن هذا الإطار الأشمل الذي يحدّد ما هو ممكن وما هو محظور في كلّ موقف. وفي المقابل، يدخل المخرج نفسه، من حيث لا يُرى، في هذه الشبكة، لأنّ قراراته في التصوير والاختزال والترتيب منحت كلّ هؤلاء الأشخاص شكلًا من أشكال الخلود البصري، وجعلت من حضورهم اليومي العابر مادّةً للتأمّل في معنى أن نعيش معًا داخل مؤسّسات تحكم حياتنا من المهد إلى ما بعد المرض والشيخوخة.
رحل فريدريك وايزمان في منتصف فبراير/شباط 2026 في كامبريدج بولاية ماساتشوستس عن عمر ناهز السادسة والتسعين، تاركًا وراءه أكثر من أربعة عقود من العمل المتواصل على استكشاف المؤسّسات وأثرها في البشر. من الصعب تلخيص هذا الإرث في تصنيف واحد؛ فهو في آنٍ واحد سجلّ اجتماعي وسياسي للولايات المتّحدة، وتأمّل طويل في معنى السلطة والخدمة العامّة، ومحاولة مستمرّة للإنصات إلى اللغة البصريّة والشفهيّة لعالم يزداد تعقيدًا. غير أنّ الخيط الذي يبدو أنّه يجمع هذه التجربة كلّها هو الإيمان بأنّ البشر، مهما بدوا عاديّين أو مجهولين، يستحقّون أن تُروى قصصهم وأن يُنظر إليهم بعين لا تزعم الحياد البارد ولا تستسلم للحكم الأخلاقي السريع، بل تترك للتفاصيل أن تقول كلّ ما يمكن قوله. في هذا المعنى، بدا كثيرون أنّهم يرون في سينماه نوعًا من محبّة هادئة للعالم كما هو، لا كما ينبغي أن يكون.


