هوليوود أمام المرآة السوداء للذكاء الاصطناعي

أضيف بتاريخ 02/19/2026
Cinéma | سينِما

في أروقة هوليوود، بدأ يتسلّل شعور بأنّ ما كان يُنظر إليه طويلاً كتهديد نظري تحوّل إلى صدمة ملموسة. إطلاق نسخة جديدة من مولّد الفيديوهات بالذكاء الاصطناعي «Seedance 2.0»، القادر على إنتاج مقاطع سينمائية فائقة الواقعية من أوامر نصّية قصيرة، أشعل موجة قلق عميقة في صفوف الكتّاب والمخرجين والمنتجين، بعد انتشار فيديو لا يتجاوز 15 ثانية يُظهر نجمين شهيرين يتبادلان اللكمات على جسر مدمّر كما لو كان مشهداً حقيقيًّا من فيلم ضخم الميزانية. هذا المقطع، الذي قيل إنّ صانعه استخدم مجرّد «سطرين» من الأوامر النصّية داخل المنصّة، تحوّل في غضون ساعات إلى جرس إنذار، لأنه قدّم نموذجًا مصغّرًا عمّا يمكن أن تفعله هذه الأدوات حين تصبح في متناول ملايين المستخدمين عبر العالم.



أحد أكثر الأصوات وقعًا كان صوت كاتب سيناريو بارز عمل على أفلام ناجحة في شباك التذاكر، حين كتب على منصة «إكس» تعليقًا مقتضبًا على الفيديو: «أكره أن أقول هذا، لكن يبدو أنّ الأمر انتهى بالنسبة إلينا». هذا الحكم القاسي لم يكن مجرد نوبة تشاؤم عابرة، بل تلته سلسلة توضيحات قال فيها إنّه يتخيّل مستقبلًا قريبًا يستطيع فيه شخص واحد، يجلس أمام حاسوب منزلي، صناعة فيلم لا يختلف كثيرًا من حيث الجودة البصرية عن إنتاجات هوليوود الحالية. وفي رأيه، فإنّ الفارق لن يكون في التكنولوجيا بل في الموهبة: من يفتقد الحسّ السينمائي سيقدّم أعمالًا رديئة، لكن بمجرد ظهور مبدع يمتلك حسًّا شبيهًا بحسّ كبار المخرجين المعاصرين، ستصبح النتيجة مرعبة لسوق العمل في الصناعة التقليدية.

الخصائص التقنية لـ«Seedance 2.0» تفسّر جانبًا من هذا الذعر. الأداة، التي طوّرتها الشركة المالكة لتطبيق عالمي واسع الانتشار للفيديو القصير، تقدّم للمستخدم «تحكّمًا بمستوى المخرج» في الإضاءة، والزوايا، وحركة الكاميرا، والتكوين البصري، مع قدرة على دمج الصوت والصورة وإنتاج مقاطع تبدو كأنّها مقتطعة من أفلام أكشن أو خيال علمي حقيقية. الأهمّ أنّ هذه الجودة لم تعد حكرًا على فرق تقنية متخصّصة، بل يمكن الوصول إليها عبر واجهة استخدام بسيطة، ما يعني أنّ حواجز الدخول إلى عالم الإنتاج البصري تتهاوى أمام الهواة وشركات المحتوى الصغيرة والفاعلين السياسيين والدعائيين على حدّ سواء. بالنسبة لصنّاع السينما في لوس أنجلِس، لا يكمن الخوف في الأدوات بحدّ ذاتها، بل في السرعة التي تقفز بها من مستوى «التجربة» إلى مستوى «البديل» الممكن لأشكال الإنتاج التقليدي.

ردّ فعل المؤسّسات الهوليوودية الكبرى لم يتأخّر. جمعيات تمثّل استوديوهات السينما الأميركية اتهمت الشركة المطوِّرة باستخدام أعمال محمية بحقوق الملكية الفكرية على نطاق واسع ومن دون ترخيص لتدريب النموذج، وتحدّثت عن «استخدام غير مصرح به للمصنفات» على «مستوى هائل»، فيما أشارت تقارير إلى رسائل إنذار قانونية من استوديوهات كبرى تطالب بوقف الانتهاكات فورًا. هذه المواجهة تضع هوليوود أمام معركة مزدوجة: دفاع عن مخزونها البصري كأصل رأسمالي ضخم في مواجهة «النماذج الجائعة للبيانات»، ومحاولة تأطير هذه التكنولوجيا قانونيًا قبل أن تُغرق السوق بمحتويات تستنسخ الوجوه والأصوات والقصص بلا إذن ولا مقابل. وفي خلفية هذا الصراع تدور أسئلة أكبر عن مصير مهن الكتابة والإخراج والتمثيل في عالم يمكن فيه لذكاء اصطناعي أن يخلق مشاهد كاملة من لا شيء تقريبًا، ما يجعل جملة «ربما انتهى الأمر بالنسبة إلينا» أقرب إلى تشخيص مبكر لمرحلة انتقالية شاقّة من كونها نبوءة نهائية بزوال هوليوود.